السيد محمد تقي المدرسي

95

من هدى القرآن

عَلَيْهِ خُبْزُ السَّمْرَاءِ « 1 » وصَحْفَةٌ فِيهَا خَطِيفَةٌ ومِلْبَنَةٌ « 2 » فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَوْمُ عِيدٍ وخَطِيفَةً ؟ ! . فَقَالَ عليه السلام : إِنَّمَا هَذَا عِيدُ مَنْ غُفِرَ لَهُ » « 3 » . وعنه عليه السلام أيضا : « إِنَّمَا هُوَ عِيدٌ لِمَنْ قَبِلَ اللهُ صِيَامَهُ وشَكَرَ قِيَامَهُ ، وكُلُّ يَوْمٍ لَا تَعْصِي اللهَ فِيهِ فَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ » « 4 » . وتتصل الآيات تحدثنا عن عاقبة المكذبين من قوم هود عليه السلام لتضع أمام أعيننا لقطات رهيبة من العذاب ، وما فعلته الريح بهم ، إنها من الشدة بحيث تنتزع الإنسان من الأرض ، كما تنتزع أعجاز النخل المسنة اليابسة المنخورة من جذوعها لتلقي بها أرضا من أساسها ! . تَنزِعُ النَّاسَ وكلمة تَنزِعُ تدل بوضوح على مدى تشبثهم بالحياة ، واعتمادهم على أسباب القوة والبقاء الظاهرية ، بالرغم من أنهم يعيشون في داخلهم الضعف والانهيار ، كسائر الأنظمة الطاغوتية التي يشبهها الله ببيت العنكبوت مع أن ظاهرها القوة والمتانة ، وهذا الضعف ناتج من اتباعهم الباطل ، ومخالفتهم سنن الحياة ، ذلك أن أسباب القوة الحقيقية تكمن في اتباع الحق والتسليم لله ، وقد اعتمد قوم عاد على ذاتهم كما بينا ذلك في الآيتين ( 15 ، 16 ) من سورة فصلت . يقول تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ العنكبوت : 41 ] ، وهنا يشبههم بشيء آخر فيقول عز من قائل : كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ اهترأ وتجوَّف بمرور الزمن وتعرضه للعوامل الطبيعية المتلفة ، وتقطعت عروقه ، فهو لا يحتاج حتى يهوي إلى الأرض من أصوله فيتحطم إلا لأدنى دفع ، وقد شبههم الله بالنخل الذي اجتث من قعره : [ وإنما أراد تعالى أن هؤلاء اجتثوا كما اجتث النخل الذاهب في قعر الأرض فلم يبق لهم رسم ولا أثر ] « 5 » ، فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [ الحاقة : 7 ] ، تهاوت على بعضها ومتفرقة هنا وهناك . [ 21 - 22 ] ومع ما تحمل هذه الآيات الكريمة من بلاغة وأسلوب أدبي رفيع ، إلا أنها ما جاءت لكي يظهر ربنا إعجازه البلاغي والأدبي للناس وحسب ، أو لتكون ميدانا للصراع بين علماء البلاغة واللغة أو بين المفسرين ، بل جاءت موعظة ونذيرا للبشرية .

--> ( 1 ) الحنطة . ( 2 ) الخَطِيفَةٌ : لبن يطبخ بدقيق ويخطف بالملاعق بسرعة ، والمِلْبَنَةٌ : المعلقة ) ) ، لسان العرب : ج 9 ، ص 78 . ( 3 ) بحار الأنوار : ج 4 ، ص 325 . ( 4 ) وسائل الشيعة : ج 15 ، ص 308 . ( 5 ) مفردات غريب القرآن : ص 409 .